السيد محمدحسين الطباطبائي
92
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
ولعمري لو لم يكن في كتاب اللّه سبحانه إلّا قوله تعالى : لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ « 1 » لكان فيه كفاية ؛ إذ الغفلة لا تكون إلّا عن معلوم حاضر ، وكشف الغطاء لا يكون إلّا عن مغطّى موجود . ولعمري إنّك لو سألت نفسك أن تهديك إلى بيان يفي بهذه المعاني حقيقة من غير مجاز ، ما أجابتك إلّا بنفس هذه البيانات والأوصاف التي أتى بها سبحانه بلسان رسوله . وأمّا البيان البرهاني لا حتفاف هذه الحياة الدنيا بحياتين أخريين ، فموضعه غير هذا الموضع . وإذ قد تبيّن أنّ هذه المعاني : من الإضلال والمكر والاستدراج ونحوها ، وما يقابلها في جانب السعادة ، إنّما تلحق بالموصوفين بها عقيب أعمالهم الطالحة أو الصالحة بحسب ما يسانخها ، سقط الاستشكال بلزوم الجبر في ذلك رأسا . وفي العيون عن الرضا - عليه السلام - في قوله سبحانه : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ « 2 » قال عليه السلام : « إنّ اللّه لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه ، لكنّه متى علم أنّهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعهم المعاونة واللطف ، وخلّى بينهم وبين اختيارهم » . « 3 » وفيه عنه عليه السلام في قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ . . . « 4 » الآية ، قال : « الختم هو الطبع على قلوب الكفّار ، عقوبة على كفرهم ، كما قال اللّه - عزّ وجلّ - : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا « 5 » » . « 6 »
--> ( 1 ) . ق ( 50 ) : 22 . ( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 17 . ( 3 ) . عيون أخبار الرضا - عليه السلام - 1 : 123 ، الحديث : 16 . ( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 7 . ( 5 ) . النساء ( 4 ) : 155 .